سهيلة عبد الباعث الترجمان

360

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

- الغاية من الخلق : إن للحق تعالى غاية في كل ما صدر عنه من فعل الخلق ، فإيجاده للموجودات ليس عن عبث إنما لحكمة شاءها الحق فكانت أمرا مفعولا . فإذا محّصنا في أقوال ابن عربي وآرائه ، واستندنا إلى نصوصه ومؤلفاته ، لوجدنا الكثير مما ينبئنا بمراده من أقواله ، فهو يذكر في كتابه " فصوص الحكم " أن غاية الحق هي رؤية نفسه في صور مجاليه المتعددة ، حيث تتجلّى أسماؤه وصفاته ، ذلك أنه " لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها ، وإن شئت قلت أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كله لكونه متصفا بالوجود ويظهر به سرّه إليه ، فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة ، فإنه يظهر له نفسه في صور يعطيها المحل المنظور فيه ما لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه له . . . " « 1 » ومعنى ذلك أن غاية الخلق أن يرى اللّه سبحانه نفسه في صورة تتجلى فيها أسماؤه وصفاته أو بعبارة أخرى : يرى نفسه في مرآة العالم ، ففي هذه المرآة أي العالم تجلى الوجود الإلهي وبالعلم عرفت صفات اللّه وأسماؤه أي عرفت ألوهيته « 2 » فوجود الخلق إذن دليل على وجود الحق . كذلك فإن الحق هو عين الدليل على نفسه وعلى ألوهيته ، وهذا لا يكون إلا إذا اعتبرنا أن العالم في ذاته عدم محض لا وجود له إلا بالحق ، ولكن العالم كما يراه ليس سوى تجلي في صور الأعيان الثابتة ، فيكون الحق والحال هذه عين الدليل على نفسه . وقد كشف ابن عربي عن سرّ هذا الخلق والحكمة من إيجاده حيث شاء الحق أن يظهر الخلق عامة ، والإنسان خاصة ليعرف وليرى نفسه في صور تجليات أسمائه وصفاته في مرآة العالم ، أو في الوجود الخارجي ، فيظهر في الوجود على ما ظهر ، وعلى النحو الذي هو عليه ، فكشف بذلك عن الكنز المخفي الذي هو الذات المطلقة المجردة عن النسب والإضافات وذلك في تقيّدها وتعيّنها لا في إطلاقها وتجردها « 3 » .

--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، الفص الآدمي ، ص 48 . ( 2 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، مرجع سابق ، ص 7 . ( 3 ) التفتازاني ( أبو الوفا ) ، مدخل إلى التصوف ، مرجع سابق ، ص 247 .